خليل الصفدي

347

أعيان العصر وأعوان النصر

وبارق ، ولا كأن مداده إلا شعرات في صدغ غلام مراهق . جمع المجاميع الأدبية ، وانتقى الأحاديث النبوية ، وله التذكرة الكندية التي بخانقاه الشميساطي تشهد بفضله ، وتعترف بنباهته ونبله ، وديوانه يدخل في مجلدين كبيرين وقفت عليهما فأطرباني ، وقلت للدف والشبابة بعدهما لا تقرباني ، ولملكتهما فملكا قلبي ، ووضعتهما بين كتبي ، وقد سكنا خلبي ، وقد انتقيت منهما ما راق نظمه ، وكمل بدره تمه ، ومن ذلك قطعة وافرة في الجزء ، إلا أنه كان يتشيع ، ويتوعّر بذلك في ألفاظه وما يتورع . وكتب الدرج موقعا بالحصون مدة طويلة ، ثم دخل آخر عمره ديوان الإنشاء بدمشق على رأي العوام بألف حيلة ، وكان هجّاما على الأعراض ، هجّاء للجواهر والأعراض ، وكان الناس ينفرون منه لذلك ، ويرون فضائله المضيئة كأنها الليل الحالك ، ومع تفنّن فضائله ، وتوسّع رسائله ، لما دخل الديوان لا راح ولا جا ، ولم يره الجماعة في باب الكتابة ولا جا ، كما جرى لبعض الناس ، وقال الجماعة للمتعجب : « ما في وقوفك ساعة من باس » حتى قلت أنا : ( الطويل ) لقد طال عهد النّاس بابن فلانة * وما جاء في الدّيوان إلا إلى ، ورا فقلت كذا كان الوداعي قبله * ولا شكّ فيه أنّه كان أشعرا ولم يزل على حاله ، إلى أن تحقق الوداعي من الحياة وداعة ، واسترجع الأجل ماله عنده من وداعة ، وتوفي - رحمه اللّه تعالى - ليلة الأربعاء السابع عشر من رجب سنة ست عشرة وسبعمائة . ومولده سنة أربعين وستمائة تقريبا . وتوفي ببستانه عند قبة المسجف ، قال شيخنا الذهبي : كان يخل بالصلوات فيما بلغني . وكان شاهدا بديوان الجامع الأموي ، وولي مشيخة الحديث بالنفيسية ، وتولى نظر الصبية وبانياس - فيما أظن - ، وأنشدني من لفظه القاضي شهاب الدين بن فضل اللّه ، ما كتبه على ديوان الوداعي - رحمهما اللّه تعالى - : ( الطويل ) بعثت بديوان الوداعي مسرعا * إليك وفي أثنائه المدح والذّمّ حكى شجر الدّفلى رواء ومخبرا * فظاهره شمّ ، وباطنه سمّ

--> - الدنيا أسحر منهما لأنها والجمع لها والمنع حتى تفرق بينك وبين طاعة اللّه تعالى ، وتفرق بينك وبين رؤية الحق . فالدنيا أسحر منهما . ( انظر : تفسير القرطبي : 2 / 53 ) .